📌 خذوا الحكمة من أفواه المجانين❗️

توفى أحد الأثرياء في بلد بعيد عن بلده ووصل خبر وفاته الى أولاده فحدد ابنه الأكبر يوماً للعزاء ولكن إخوته ضاقت أعينهم وطلبوا تقسيم الإرث حالاً وقبل العزاء. لامهم الأخ الأكبر وطلب منهم الانتظار حتى انتهاء مراسم العزاء، لكنهم أصروا على توزيع التركة قبل العزاء، فرفض طلبهم، فقدموا شكواهم إلى المحكمة وأقاموا دعوى عليه. وفي اليوم المُحدد للجلسة أرسل القاضي في طلب الأخ الأكبر، فأخذ يبحث عن مخرج ورد للأمر وقاده تفكيره إلى الذهاب لرجل عُرف عنه رجاحة الرأي، ليستشيره فسرد عليه قصة إخوته وإصرارهم على الحصول على ميراثهم، لكنه لم يجد عنده الجواب، فدله الرجل الحكيم على شخص يتهمه غالبية الناس بالجنون، فاستغرب وقال فلان مجنون كيف يحل مشكلة عجز عن حلها العقلاء؟ أجابة أذهب أنت وسوف ترى. ذهب إليه وسرد عليه القصة وبعد أن انتهى من كلامه قال له المجنون قل لإخوانك: هل عندكم من يشهد بأن أبي قد مات؟ فتعجب الأخ الأكبر من قوله وأطلق مقولته المشهورة : خذوا الحكمة من أفواه المجانين، كيف لم أفكر في هذا؟ وهرول إلى المحكمة وقال للقاضي ما قال له المجنون، فقال القاضي إنك محق. ووجه كلامه للأخوة: هل عندكم شهود؟، قالوا أبونا توفي في بلد بعيد وجاءنا الخبر ولا يوجد شاهد على ذلك. قال لهم القاضي أتوا بالشهود وإلّا لا ميراث لكم. فظلت القضية معلقة لأكثر من عام. فقال لهم أخوهم: لو صبرتم أسبوعاً لكان خيراً لكم.

سواءً أكنت أباً أو أماً زوجاً أو زوجةً أخاً أو أختاً رئيساً أو مرؤوساً، حكيماً أو مجنوناً تذكر أن رأيك صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرك خطأ يحتمل الصواب، أو كما قال الشافعي فيما قال من حكمته. والحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها، ولسنا نعلم أيكما وجد هذه الضالة أولاً، الأكبر منكما أم الأصغر، الأعلى منصباً أم الأدنى. ولا دليل أو قاعدة على من هو أحق بها إنما هي ضالة يسوقها الله لكل باحث ومستكشف. ولنا في قصة المثل : خذ الحكمة من أفواه المجانين عظة وعبرة.

لذلك وقبل أن تبدأ بتنصيب نفسك حكماً ومرشداً على الغير تذكر أن الحكمة لم تختص بأحد، وأعلم الناس أعلمهم بنفسه ! ومهما بلغت من مبلغ فمن حولك يرى فيك ما لا تراه في نفسك، ما تراه من منظورك حكمة نراه تهوراً، وما تجده حرية نجده تحرراً، وما تتوقع أنه بسيط قد يراه غيرك معقد كبير، فلا تبرأ تفسك دائماً فالنفس أمارة بالسوء.

دع القهوة تبرد، ولا ترد على الهاتف، ضع كلتا يديك في جيبك وراقب. تعايش مع الأمور على أنها قد لا تصبح مثالية أو حتى على ما يرام، وراقب غيرك من خلال نفسك. دع ابنك يسقط، وتغاضى عن برودة قهوتك، واسمح للمتهور أن يتجاوزك على الطريق، اترك صديقك يخبرك بتلك المعلومة التي قرأتها منذ سنوات دون أن تقاطعه، ابتسم لمن سبقك متعمداً في طابور متجر البقالة، دع الريح تمّر وانثني لها فهي العابرة وأنت الباقي !!

صمتنا في أحيان كثيرة ليس مجرد حكمة ضالة بل سلام، سلام نفسي نخسر بفقدانه كل يوم ساعة من عمر ونبضة من صحة ولحظة من سعادة.

قبل أن تبعث بهذا المقال لمن يهمك أمره أرجوك ابعثه لنفسك أولاً وتذكر أن كلنا أخطاء لولا ستر الله علينا.

https://www.alyaum.com/articles/6289807

نشر بصحيفة اليوم السعودية

السبت ٢١ نوفمبر ٢٠٢٠م

أضف تعليق